أحمد مصطفى المراغي

10

تفسير المراغي

و في صحيح مسلم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لمعاذ لما وجهه إلى أرض اليمن : « واتق دعوة المظلوم فليس بينها وبين اللّه حجاب » . ( أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ ؟ ) الذي هذه شؤونه ، وتلك نعمه ؟ . ثم بين أن من طبيعة الإنسان ألا يتذكر نعم اللّه عليه إلا قليلا ، وإلى ذلك أشار بقوله : ( قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ ) أي قليلا ما تتذكرون نعم اللّه عليكم ، وأياديه عندكم ، ومن ثمّ أشركتم به غيره في العبادة . ثم زادهم تأنيبا وتهكما من ناحية أخرى فقال : ( أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ) أي أمن تشركون باللّه خير ، أم من يرشدكم في ظلمات البر والبحر إذا أظلمت عليكم السبل فضللتم الطريق - بما خلق من الدلائل السماوية كما قال : « وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ » وقال : « وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ » ومن يرسل الرياح أمام الغيث الذي يحيى موات الأرض . ولما اتضحت الأدلة ولم يبق لأحد في ذلك عذر ولا علة قال : ( أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ ؟ ) فعل هذا ؟ . ثم أكد هذا النفي وقرره بقوله : ( تَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) أي تنزه ربنا المنفرد بالألوهية ، ومن له صفات الكمال والجلال ، ومن تخضع له جميع المخلوقات ، وتذلّ لقهره وجبروته - عن شرككم الذي تشركونه به وعبادتكم معه ما تعبدون . ثم أضاف إلى ذلك برهانا آخر لعلهم يرتدعون عن غيهم فقال : ( أَمَّنْ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ ) أي أما تشركون به خير أم الذي ينشئ الخلق بادئ بدء ويبتدعه من غير أصل سلف ، ثم يفنيه إذا